التخطي إلى المحتوى

رمضان شهر التوبة، ونحن بصدد إستقبال شهر رمضان المبارك أفضل الشهور، وأكثرها بركة، ولكن سرعان ما تنقضى أيامه كلمح البصر؛ فالفائز فى هذا الشهر هو ماتاب، وأناب إلى الله تعالى فهو رمضان شهر التوبة، والغفران به تفتح أبواب الرحمة، وتسلسل الشياطين فينادى الله على عباده أنه هو الغفور الرحيم.

فهو القائل فى محكم آياته بكتابه الكريم { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا }،فهاهو شهر القبول، والرجوع إلى الله قد أتى، ونحن بحمد الله نحيا وقد شهدناه؛ فيا من عصيت الله سراً، وجهراً فلا تترك الشهر الكريم يمر دون أن تتوب، وتعود إلى خالقك طالباً العفو والمغفرة، وأن تندم على جميع ما صدر منك.

وهذا هو محور حديثنا اليوم من خلال قسم شهر رمضان التابع لموسوعة قلمى الشاملة، حيث سنعرض به كيف يكون رمضان شهر التوبة، وما هى تعريف التوبة، وحكمها، كما سوف نجيب على تساؤولاً كثيراً ما يتوارد فى نفس كلاً منا ألا وهو كيف أتوب توبة صادقة لله عز وجل.

رمضان شهر التوبة

من رحمة الله تعالى بعباده أن يسر لهم سبل التوبة، والرجوع إلى الحق؛ ومن بينها شهر رمضان المبارك فهو شهر القرآن، والصلاح، والطاعات حيث يجد به المسلم دافعاً قوياً للتوبة عن كل المعاصى التى أرتكبها فيبدأ بخطى ثابته نحو طريق الصلاح والسعادة بالعودة إلى الله سبحانه وتعالى.

حيث يتميز شهر رمضان الفضيل بخصائص تسهل على المؤمن بأن يجدد طريق التوبة، والتغير فى علاقته بخالقه عز وجل، فقد قال الرسول صلوات ربي وسلامه عليه في فضل هذا الشهر الكريم المبارك  (إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتَحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلَقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ).

وذلك من فضل الله سبحانه علي عباده، إذ جعل من اليسر لهم أن يقبلوا بقلب مؤمن تائب دون أى عوائق فالشياطين قد صفدت، وأبواب النار مغلقة، وأبواب الجنة تنادى يا باغى الخير أقبل فهى مفتوحة؛ فهذا هو أفضل وقت ليعلن فيه العبد توبته إلى الله تعالى، ويبدأ حياة جديدة شعاره بها ترك جميع ما حرمه الله سبحانه، والتقرب إليه بالطاعات، وأداء العبادات على أكمل وجه.

تعريف التوبة

التّوبة لُغةً: مشتقه من الفعل تاب فهى مصدره، ومعناها الإعتراف وإبداء الندم على إقتراف الذنب، والعزم على عدم العودة إلى فعل المعصية.

التّوبة اصطِلاحاً: هى الرجوع إلى الله، والتقرب إليه بالعبادات، وترك جميع ما حرمه سبحانه لإبتغاء وجهه تعالى، وإرضاءاً له فالله سبحانه يغفر الذنوب جميعاً  فهو الرحيم بعباده، والرحمة من أسمائه العلي فهو القائل بمحكم تنزيله { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }.

حُكم التّوبة

طالما نحيا فى هذه الحياة فنحن نتقلب بين الحق والضلال، كما فى حديث رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه حينما قال (كُلَّ بُنَى آدَمِ خِطَاءٍ وَخَيْرِ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) ” الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه”، فمن طبيعة النفس البشرية الوقوع فى الخطأ والصواب بتفاوت درجة الذنب، والخطأ من شخصٍ لآخر.

فقد يكون إقتراف الذنب بالجوارح أو بالقلب كما لا يخلو أياً منا من وساوس الشياطين، وهذا ما عزم عليه إبليس نفسه حينما تكبر ورفض فعل ما أمره الله به، حيث قال تعالى بشأن هذا بكتابه الكريم { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ }.

لذلك فعلى المسلم الحق أن يتبع أمر الله تعالى، ويتجنب وساوس الشياطين، وبجدد توبته الصادقة إلى الله سبحانه؛ ولقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على التوبة، والرجوع إلى الله تعالى فى كل وقتٍ وحين، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم الكثير من الأحاديث التى تنص على ذلك ومنها قوله (استغفروا ربّكم، إنّي أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه كلَّ يومٍ مئةَ مرّة ).

فإذا كان هذا هو حال الرسول أشرف الخلق أجمعين، وهو الذى قال فيه الله تعالى بسورة الفتح { لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا }، إذاً فما بالنا نحن؟ والجدير بالذكر أن النبي لم يكتفي بذلك فأجتهد حق الجهاد فى طاعة الله تعالى.

حيث ورد عنه صلى الله عليه وسلم “أنه كان إذا صلى قام حتى تتورم قدماه  فقالت له عائشة رضى الله عنها يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً؟” أخرجه مسلم في الصحيح.

إذن فالرسول هو أيضاً يتوب لله تعالى، ويصلى حتى تتورم قدماه؛ وهو خير قدوة لنا فمن أقتدى به كان له صلاح دينه، ودنياه مصداقاً لقول الحى القيوم { لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }.

والجدير بالذكر أن الله سبحانه قد حث على التوبة بالعديد من الآيات، ومنها قوله تعالى بسورة الشورى  { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}  كما قال أيضاً بموضع آخر بسورة التحريم { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ }.

كما اتفق اهل العلم والفقه على وجوب التوبة، وهذا ما ذكره الإمام القرطبي رحمه الله حيث قال ” وَلَا خِلَاَفُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي وُجُوبِ التَّوْبَةِ، وَالْمُعَنَّى: وَتُوبُوا إِلَى اللهِ ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَخْلُوَنَّ مِنْ سَهْوٍ وَتَقْصيرٍ فِي أَدَاءِ حُقوقِ اللهِ- تَعَالَى- فَلَا تَتْرَكُوا التَّوْبَةَ فِي كُلِّ حَالٍ “.

كيف أتوب توبة صادقة لله عز وجل

حتى يتقبل الله توبتنا فلا بد أن تتسم بسمات بها إشارة إلى صدق التائب، وندمه على جميع ما صدر منه من معاصى، وتقصير بحق الله تعالى؛ ومن بين تلك السمات نذكر شروط التوبة الصادقة وهى كما يلى:-

  • أن يخلص التائب في توبته لوجه الله تعالى مصداقاً لقوله جل وعلا { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}.
  • العزم على عدم العودة إلى الذنب الذى تاب عنه.
  • أن يكون التائب نادماً على جميع ما صدر منه من ذنوب حق الندم.
  • إرجاع الحقوق لأصحابها إذا كان الذنب الذى أتي به العبد هو أكل حقوق الناس.
  • الإقلاع الفعلى عن إقتراف الذنب الذى تم العودة عنه.
  • أن يتوب العبد فى زمن قبول التوبة، وهى قبل شروق الشمس من مغربها، وقبل غرغرة الشخص، ودخوله فى سكرات الموت، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الله عزَّ وجَلَّ يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَالَم يُغرْغرِ)، رواه أحمد والترمذي وغيرهما، والغرغرة هى ما يشعر به العبد عند بلوغ الروح الحلقوم ويتيقن حينها أن لحظة أجله قد حانت، ويقال أنه فى تلك اللحظه قد عاين ملك الموت فيسرع بالتوبة لله تعالى، ولكن لا تُقبل منه فهذا ما أشار إليه الله سبحانه { وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.

وفى الختام أعزائي القراء هاهو رمضان شهر التوبة قد حان فلابد من تغير الحال فى رمضان، حيث لا يمكن ان يكون الحال قبل رمضان كما هو فى رمضان، بل أقبلوا على طاعة الله تعالى، واعزموا النية على التوبة الصادقه له سبحانه، فمن لم يتب فى هذا الشهر الفضيل فمتى بإمكانه أن يتوب؟.

فلنتذكر جميعاً قوله صلى الله عليه وسلم بالحديث القدسي ( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ ) [ أخرجه مسلم ]؛ اللهم إنا نستغفرك إنك أنت الغفار فأغفر لنا ذنوبنا يا تواب يا رحيم.