التخطي إلى المحتوى

روائع المتنبي هي أهم ما نظم في تاريخ الشعر العربي، هي مدرسة لكل شاعر في أي عصر، وأفضل خيار لكل عشاق الشعر، لا يمكن لأي مثقف ألا يتعرف على تلك الروائع التي تعد أهم كلاسيكيات الأدب العربي التي لا زالت راسخة في أذهان الجميع.

وسنعرض عليك أيها القارئ الكريم في هذا المقال على موقع قلمي أروع ما نظم أبو الطيب المتنبي في الشعر.

روائع المتنبي

المتنبي ليس كأي شاعر عاصره، أو حتى أتى في عصورٍ أخرى، فهو الأقوى من بين شعراء العرب، لبلاغته وفصاحته الشديدة، وأيضاً أسلوبه المميز، فهيا بنا نغوص بين أبياته في بحور الشعر العربي

روائع المتنبي
روائع المتنبي

وكان للمتنبي عدة أبيات تعد من أبلغ ما نظم في الشعر بالعربية لعل أهمها

يا أعدَلَ النّـاسِ إلاّ فِـي مُعامَلَتـي

فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَـمُ

وقد نظم أقوى بيت شعري في اللغة العربية

أَلمٌ أَلَمَّ أَلَمْ أُلِمَّ بِدَائِهِ

إنْ أنَّ آنُّ آنَ آنُ أَوَنِهِ

وقال المتنبي أيضاً

أنَا الذي نَظَـرَ الأعْمَـى إلى أدَبـي

وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَنْ بـهِ صَمَـمُ

أنَامُ مِلْءَ جُفُونـي عَـنْ شَوَارِدِهَـا

وَيَسْهَـرُ الخَلْـقُ جَرّاهَـا وَيخْتَصِـمُ

وقد تباهي في قصيدته قائلاً

أنالخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي

وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ

صَحِبْتُ فِي الفَلَواتِ الوَحشَ منفَـرِداً

حتى تَعَجّبَ منـي القُـورُ وَالأكَـمُ

وقال أيضاً

رَأَيتُكَ توسِعُ الشُعَراءَ نَيلاً

حَديثَهُمُ المُوَلَّدَ وَالقَديما

فَتُعطي مَن بَقى مالاً جَسيماً

وَتُعطي مَن مَضى شَرَفاً عَظيما

سَمِعتُكَ مُنشِداً بَيتَي زِيادٍ

نَشيداً مِثلَ مُنشِدِهِ كَريما

فَما أَنكَرتُ مَوضِعَهُ وَلَكِن

غَبَطتُ بِذاكَ أَعظُمَهُ الرَميما

من أرقى ما نظم المتنبي أيضاً

أَرى حُلَلاً مَطَوّاةً حِساناً

عَداني أَن أَراكَ بِها اِعتِلالي

وَهَبكَ طَوَيتَها وَخَرَجتَ عَنها

أَتَطوي ما عَلَيكَ مِنَ الجَمالِ

لَقَد ظَلَّت أَواخِرُها الأَعالي

مَعَ الأولى بِجِسمِكَ في قِتالِ

تُلاحِظُكَ العُيونُ وَأَنتَ فيها

كَأَنَّ عَلَيكَ أَفإِدَةَ الرِجالِ

مَتى أَحصَيتُ فَضلَكَ في كَلامٍ

فَقَد أَحصَيتُ حَبّاتِ الرِمالِ

وَإِنَّ بِها وَإِنَّ بِهِ لَنَقصاً

وَأَنتَ لَها النِهايَةُ في الكَمالِ

وقال في قصيدة أخرى

إِن يَكُن صَبرُ ذي الرَزِيَّةِ فَضلاً

تَكُنِ الأَفضَلَ الأَعَزَّ الأَجَلّا

أَنتَ يا فَوقَ أَن تُعَزّى عَنِ الأَحـ

ـبابِ فَوقَ الَّذي يُعَزّيكَ عَقلا

وَبِأَلفاظِكَ اِهتَدى فَإِذا عَز

زاكَ قالَ الَّذي لَهُ قُلتُ قَبلا

قَد بَلَوتَ الخُطوبَ مُرّاً وَحُلواً

وَسَلَكتَ الأَيّامَ حَزناً وَسَهلا

وَقَتَلتَ الزَمانَ عِلماً فَما يُغـ

ـرِبُ قَولاً وَلا يُجَدِّدُ فِعلا

أَجِدُ الحُزنَ فيكَ حِفظاً وَعَقلاً

وَأَراهُ في الخَلقِ ذُعراً وَجَهلاً

لَكَ إِلفٌ يَجُرُّهُ وَإِذا ما

كَرُمَ الأَصلُ كانَ لِلإِلفِ أَصلا

وَوَفاءٌ نَبَتَّ فيهِ وَلَكِن

لَم يَزَل لِلوَفاءِ أَهلُكَ أَهلا

إِنَّ خَيرَ الدُموعِ عَوناً لَدَمعٌ

بَعَثَتهُ رِعايَةٌ فَاِستَهَلّا

أَينَ ذي الرِقَّةُ الَّتي لَكَ في الحَر

بِ إِذا اِستُكرِهَ الحَديدُ وَصَلّا

أَينَ خَلَّفتَها غَداةَ لَقيتَ الـ

ـرومَ وَالهامُ بِالصَوارِمِ تُفلى

قاسَمَتكَ المَنونُ شَخصَينِ جَوراً

جَعَلَ القِسمُ نَفسَهُ فيكَ عَدلا

فَإِذا قِستَ ما أَخَذنَ بِما أَغـ

ـدَرنَ سَرّى عَنِ الفُؤادِ وَسَلّى

وَتَيَقَّنتَ أَنَّ حَظَّكَ أَوفى

وَتَبَيَّنتَ أَنَّ جَدَّكَ أَعلى

وَلَعَمري لَقَد شَغَلتَ المَنايا

بِالأَعادي فَكَيفَ يَطلَبنَ شُغلا

وَكَمِ اِنتَشتَ بِالسُيوفِ مِنَ الدَهـ

ـرِ أَسيراً وَبِالنَوالِ مُقِلّا

عَدَّها نُصرَةً عَلَيهِ فَلَمّا

صالَ خَتلاً رَآهُ أَدرَكَ تَبلا

كَذَبَتهُ ظُنونُهُ أَنتَ تُبلي

هِ وَتَبقى في نِعمَةٍ لَيسَ تَبلى

وَلَقَد رامَكَ العُداةُ كَما را

مَ فَلَم يَجرَحوا لِشَخصِكَ ظِلّا

وَلَقَد رُمتَ بِالسَعادَةِ بَعضاً

مِن نُفوسِ العِدا فَأَدرَكتَ كُلّاً

قارَعَت رُمحَكَ الرِماحُ وَلَكِن

تَرَكَ الرامِحينَ رُمحَكَ عُزلا

لَو يَكونُ الَّذي وَرَدتَ مِنَ الفَجـ

ـعَةِ طَعناً أَورَدتَهُ الخَيلَ قُبلا

وَلَكَشَفتَ ذا الحَنينِ بِضَربٍ

طالَما كَشَّفَ الكُروبَ وَجَلّى

خِطبَةٌ لِلحِمامِ لَيسَ لَها رَد

دٌ وَإِن كانَتِ المُسَمّاةَ ثُكلا

وَإِذا لَم تَجِد مِنَ الناسِ كُفواً

ذاتُ خِدرٍ أَرادَتِ المَوتَ بَعلا

وَلَذيذُ الحَياةِ أَنفَسُ في النَفـ

ـسِ وَأَشهى مِن أَن يُمَلَّ وَأَحلى

وَإِذا الشَيخُ قالَ أُفٍّ فَما مَل

لَ حَياةً وَإِنَّما الضَعفَ مَلّا

آلَةُ العَيشِ صِحَّةٌ وَشَبابٌ

فَإِذا وَلَّيا عَنِ المَرءِ وَلّى

أَبَداً تَستَرِدُّ ما تَهَبُ الدُن

يا فَيا لَيتَ جودَها كانَ بُخلا

فَكَفَت كَونَ فَرحَةٍ تورِثُ الغَمـ

ـمَ وَخِلٍّ يُغادِرُ الوَجدَ خِلّا

وَهيَ مَعشوقَةٌ عَلى الغَدرِ لا تَحـ

ـفَظُ عَهداً وَلا تُتَمِّمُ وَصلاً

كُلِّ دَمعٍ يَسيلُ مِنها عَلَيها

وَبِفَكِّ اليَدَينِ عَنها تُخَلّى

شِيَمُ الغانِياتِ فيها فَلا أَد

ري لِذا أَنَّثَ اِسمَها الناسُ أَم لا

يا مَليكَ الوَرى المُفَرِّقَ مَحياً

وَمَماتاً فيهِم وَعِزّاً وَذُلّا

قَلَّدَ اللَهُ دَولَةً سَيفُها أَنـ

ـتَ حُساماً بِالمَكرُماتِ مُحَلّى

فَبِهِ أَغنَتِ المَوالِيَ بَذلاً

وَبِهِ أَفنَتِ الأَعادِيَ قَتلا

وَإِذا اِهتَزَّ لِلنَدى كانَ بَحراً

وَإِذا اِهتَزَّ لِلوَغى كانَ نَصلاً

وَإِذَ الأَرضُ أَظلَمَت كانَ شَمساً

وَإِذا الأَرضُ أَمحَلَت كانَ وَبلاً

وَهُوَ الضارِبُ الكَتيبَةِ وَالطَع

نَةُ تَغلو وَالضَربُ أَغلى وَأَغلى

أَيُّها الباهِرُ العُقولَ فَما تُد

رَكُ وَصفاً أَتعَبتَ فِكري فَمَهلا

مَن تَعاطى تَشَبُّهاً بِكَ أَعيا

هُ وَمَن دَلَّ في طَريقِكَ ضَلّا

فَإِذا ما اِشتَهى خُلودَكَ داعٍ

قالَ لا زُلتَ أَو تَرى لَكَ مِثلا

روائع المتنبي
روائع المتنبي

ونظم أيضاً

رُوَيدَكَ أَيُّها المَلِكُ الجَليلُ

تَأَنَّ وَعُدَّهُ مِمّا تُنيلُ

وَجودَكَ بِالمُقامِ وَلَو قَليلاً

فَما فيما تَجودُ بِهِ قَليلُ

لِأَكبِتَ حاسِداً وَأَرى عَدُوّاً

كَأَنَّهُما وَداعُكَ وَالرَحيلُ

وَيَهدَأَ ذا السَحابُ فَقَد شَكَكنا

أَتَغلِبُ أَم حَياهُ لَكُم قَبيلُ

وَكُنتُ أَعيبُ عَذلاً في سَماحٍ

فَها أَنا في السَماحِ لَهُ عَذولُ

وَما أَخشى نُبوَّكَ عَن طَريقٍ

وَسَيفُ الدَولَةِ الماضي الصَقيلُ

وَكُلُّ شَواةِ غِطريفٍ تَمَنّى

لِسَيرِكَ أَنَّ مَفرِقَها السَبيلُ

وَمِثلِ العَمقِ مَملوءٍ دِماءً

جَرَت بِكَ في مَجاريهِ الخُيولُ

إِذا اِعتادَ الفَتى خَوضَ المَنايا

فَأَهوَنُ ما يَمُرُّ بِهِ الوُحولُ

وَمَن أَمَرَ الحُصونَ فَما عَصَتهُ

أَطاعَتهُ الحُزونَةُ وَالسُهولُ

أَتَخفِرُ كُلَّ مَن رَمَتِ اللَيالي

وَتُنشِرُ كُلَّ مَن دَفَنَ الخُمولُ

وَنَدعوكَ الحُسامَ وَهَل حُسامٌ

يَعيشُ بِهِ مِنَ المَوتِ القَتيلُ

وَما لِلسَيفِ إِلّا القَطعَ فِعلٌ

وَأَنتَ القاطِعُ البَرُّ الوَصولُ

وَأَنتَ الفارِسُ القَوّالُ صَبراً

وَقَد فَنِيَ التَكَلُّمُ وَالصَهيلُ

يَحيدُ الرُمحُ عَنكَ وَفيهِ قَصدٌ

وَيَقصُرُ أَن يَنالَ وَفيهِ طولُ

فَلَو قَدَرَ السِنانُ عَلى لِسانٍ

لَقالَ لَكَ السِنانُ كَما أَقولُ

وَلَو جازَ الخُلودُ خَلَدتَ فَرداً

وَلَكِن لَيسَ لِلدُنيا خَليلُ

ومن بين روائعه هذين البيتين

لَم تَرَ مَن نادَمتُ إِلّاكا

لا لِسِوى وُدِّكَ لي ذاكا

وَلا لِحُبّيها وَلَكِنَّني

أَمسَيتُ أَرجوكَ وَأَخشاكا

ويقول أيضاً

لَئِن كانَ أَحسَنَ في وَصفِها

لَقَد تَرَكَ الحُسنَ في الوَصفِ لَك

لِأَنَّكَ بَحرٌ وَإِنَّ البِحارَ

لَتَأنَفَ مِن مَدحِ هَذي البِرَك

كَأَنَّكَ سَيفُكَ لا ما مَلَكتَ

يَبقى لَدَيكَ وَلا ما مَلَك

فَأَكثَرُ مِن جَريِها ما وَهَبتَ

وَأَكثَرُ مِن مائِها ما سَفَك

أَسَأتَ وَأَحسَنتَ عَن قُدرَةٍ

وَدُرتَ عَلى الناسِ دَورَ الفَلَك

وقد أبدع في قوله 

قَد بَلَغتَ الَّذي أَرَدتَ مِنَ البِر

رِ وَمِن حَقِّ ذا الشَريفِ عَلَيكا

وَإِذا لَم تَسِر إِلى الدارِ في وَقـ

ـتِكَ ذا خِفتُ أَن تَسيرَ إِلَيكا

روائع المتنبي
روائع المتنبي

سَقاني الخَمرَ قَولُكَ لي بِحَقّي

وَوُدٌّ لَم تَشُبهُ لي بِمَذقِ

يَميناً لَو حَلَفتَ وَأَنتَ ناءٍ

عَلى قَتلي بِها لَضَرَبتُ عُنقي

ومن روائعه أيضاً

أَرَكائِبَ الأَحبابِ إِنَّ الأَدمُعا

تَطِسُ الخُدُودَ كَما تَطِسنَ اليَرمَعا

فَاِعرِفنَ مَن حَمَلَت عَلَيكُنَّ النَوى

وَاِمشينَ هَوناً في الأَزِمَّةِ خُضَّعا

قَد كانَ يَمنَعُني الحَياءُ مِنَ البُكا

فَاليَومَ يَمنَعُهُ البُكا أَن يَمنَعا

حَتّى كَأَنَّ لِكُلِّ عَظمٍ رَنَّةً

في جِلدِهِ وَلِكُلِّ عِرقٍ مَدمَعا

وَكَفى بِمَن فَضَحَ الجَدايَةَ فاضِحاً

لِمُحِبِّهِ وَبِمَصرَعي ذا مَصرَعا

سَفَرَت وَبَرقَعَها الفِراقُ بِصُفرَةٍ

سَتَرَت مَحاجِرَها وَلَم تَكُ بُرقُعا

فَكَأَنَّها وَالدَمعُ يَقطُرُ فَوقَها

ذَهَبٌ بِسِمطى لُؤلُؤٍ قَد رُصِّعا

كَشَفَت ثَلاثَ ذَوائِبٍ مِن شَعرِها

في لَيلَةٍ فَأَرَت لَيالِيَ أَربَعا

وَاِستَقبَلَت قَمَرَ السَماءِ بِوَجهِها

فَأَرَتنِيَ القَمَرَينِ في وَقتٍ مَعا

رُدّي الوِصالَ سَقى طُلولَكِ عارِضٌ

لَو كانَ وَصلُكِ مِثلَهُ ما أَقشَعا

زَجَلٌ يُريكِ الجَوَّ ناراً وَالمَلا

كَالبَحرِ وَالتَلَعاتِ رَوضاً مُمرِعا

كَبَنانِ عَبدِ الواحِدِ الغَدَقِ الَّذي

أَروى وَآمَنَ مَن يَشاءُ وَأَفزَعا

أَلِفَ المُروءَةَ مُذ نَشا فَكَأَنَّهُ

سُقِيَ اللِبانَ بِها صَبِيّاً مُرضَعا

نُظِمَت مَواهِبُهُ عَلَيهِ تَمائِما

فَاِعتادَها فَإِذا سَقَطنَ تَفَزَّعا

تَرَكَ الصَنائِعَ كَالقَواطِعِ بارِقا

تٍ وَالمَعالِيَ كَالعَوالِيَ شُرَّعا

مُتَبَسِّماً لِعُفاتِهِ عَن واضِحٍ

تَغشى لَوامِعُهُ البُروقَ اللُمَّعا

مُتَكَشِّفاً لِعُداتِهِ عَن سَطوَةٍ

لَو حَكَّ مَنكِبُها السَماءَ لَزَعزَعا

الحازِمَ اليَقِظَ الأَغَرَّ العالِمَ ال

فَطِنَ الأَلَدَّ الأَريَحِيَّ الأَروَعا

الكاتِبَ اللَبِقَ الخَطيبَ الواهِبَ ال

نَدُسَ اللَبيبَ الهِبرِزِيَّ المِصقَعا

نَفسٌ لَها خُلُقُ الزَمانِ لِأَنَّهُ

مُفني النُفوسِ مُفَرِّقٌ ما جَمَّعا

وَيَدٌ لَها كَرَمُ الغَمامِ لِأَنَّهُ

يَسقي العِمارَةَ وَالمَكانَ البَلقَعا

أَبَداً يُصَدِّعُ شَعبَ وَفرٍ وافِرِ

وَيَلُمُّ شَعبَ مَكارِمٍ مُتَصَدِّعا

يَهتَزُّ لِلجَدوى اِهتِزازَ مُهَنَّدٍ

يَومَ الرَجاءِ هَزَزتَهُ يَومَ الوَعى

يا مُغنِياً أَمَلَ الفَقيرِ لِقائُهُ

وَدُعائُهُ بَعدَ الصَلاةِ إِذا دَعا

أَقصِر وَلَستَ بِمُقسِرٍ جُزتَ المَدى

وَبَلَغتَ حَيثُ النَجمُ تَحتَكَ فَاِربَعا

وَحَلَلتَ مِن شَرَفِ الفَعالِ مَواضِعاً

لَم يَحلُلِ الثَقَلانِ مِنها مَوضِعا

وَحَوَيتَ فَضلَهُما وَما طَمِعَ اِمرُؤٌ

فيهِ وَلا طَمِعَ اِمرُؤٌ أَن يَطمَعا

نَفَذَ القَضاءُ بِما أَرَدتَ كَأَنَّهُ

لَكَ كُلَّما أَزمَعتَ شَيئاً أَزمَعا

وَأَطاعَكَ الدَهرُ العَصِيُّ كَأَنَّهُ

عَبدٌ إِذا نادَيتَ لَبّى مُسرِعا

أَكَلَت مَفاخِرُكَ المَفاخِرَ وَاِنثَنَت

عَن شَأوِهِنَّ مَطِيُّ وَصفي ظُلَّعا

وَجَرَينَ مَجرى الشَمسِ في أَفلاكِها

فَقَطَعنَ مَغرِبَها وَجُزنَ المَطلَعا

لَو نيطَتِ الدُنيا بِأُخرى مِثلِها

لَعَمَمنَها وَخَشينَ أَن لا تَقنَعا

فَمَتى يُكَذَّبُ مُدَّعٍ لَكَ فَوقَ ذا

وَاللَهُ يَشهَدُ أَنَّ حَقّاً ما اِدَّعى

وَمَتى يُؤَدّي شَرحَ حالِكَ ناطِقٌ

حَفِظَ القَليلَ النَزرَ مِمّا ضَيَّعا

إِن كانَ لا يُدعى الفَتى إِلّا كَذا

رَجُلاً فَسَمِّ الناسَ طُرّاً إِصبَعا

إِن كانَ لا يَسعى لِجودٍ ماجِدٌ

إِلّا كَذا فَالغَيثُ أَبخَلُ مَن سَعى

قَد خَلَّفَ العَبّاسُ غُرَّتَكَ اِبنَهُ

مَرأىً لَنا وَإِلى القِيامَةِ مَسمَعا

ونختم أيها القارئ الكريم بأبلغ أبيات الشعر التي نظمها المتنبي

قومٌ إذا مس النال وجوهَهُم

شَكَتْ النِعالِ بأي ذنبٍ تُصْفَعُ

المتنبي وأسلوبه الشعري

المتنبي هو شاعر عراقي من مواليد الكوفه عام 303 هجرياً، وقد بدأ طريقه في الأدب منذ صباه، فقد نظم الشعر منذ أن كان في التاسعة من عمره، وقد شغف منذ صغره بالشعر والأدب، وكان من أكثر شعراء العرب إبداعاً.

عاش المتنبي حياة تملؤها الصراعات السياسية، مما جعل الأدب حينها مثل البركان الثائر الذي لا يمكن إخماده، مما مهد له الطريق وخصوصاً في بلاط الملوك والأمراء الذي كان يعج في تلك الفترة بالشعراء، ومادحي الملوك، وقد كان المتنبي هو أحد محبي مدح الملوك.

تميز أسلوبه الشعري بالتنوع الذي يجعل منه شاعر لكل زمان، ومكان، فقد نظم في المدح، والعزة، وافتخر كثيراً بعائلته، وقبيلته، وبراعته في الشعر، وهجى كثيراً، وتغزل في محبوبته، وشن هجوم كثيف على مواقف البشر التي لا تتنمي للدين أبداً في قوله ” أغاية الدين أن تحفوا شواربكم، يا أمة قد ضحكت من جهلها الأمم.

الحكم هي أكصر ما تميز بها المتنبي في شعره، فقد كان بين كلماته مدرسة لو أتبع البشر نهجها، لنهضوا بمجتماتهم التي عم الظلام قلوبها، وقد قيل عن وفاة المتنبي أنه قد قتل بسبب قصيدة ذم فيها أحد الملوك فلما عاد إلى الكوفة أمر بقتله.