التخطي إلى المحتوى

من هو جعفر الطيار، عند قراءة سيرة الصحابة سواء كان سلوكهم في الحياة العادية تجد الرحمة في قلوبهم، والعدل في حكمهم، والحكمة في كلامهم، وعند قراءة سيرتهم العطرة في المعارك تشعر وكأنك معهم في ساحة القتال وتسمع صوت جهادهم وهم يقولون الله اكبر عند النصر،وصوت صهيل الفرس وكأنها تحتفل بالنصر، وصوت من يقول الشهادة عند الموت وهو راضٍ عن نفسه مبتسم.

قدم كل شئ في سبيل الجهاد واستكمال طريق الدعوة الإسلامية ونشر العدل والسماحة وتعاليم الدين الإسلامي، ولعلك بعد أن وجدت نفسك في ساحة القتال والدم يتدفق في عروقك وكأنك مستعد للجهاد تتساءل ما الذي حدث لجعفر بن أبي طالب، ولماذا سمي بالطيار هذا ما سنسرده في مقال اليوم من خلال موسوعة قلمي الشاملة عبر قسم الصحابة والتابعون .

من هو جعفر الطيار

جعفر بن أبي طالب

هو جعفر بن أبي طالب (واسمه عبد مناف) بن عبد المطلب (واسمه شيبة) بن هاشم (واسمه عمرو) بن عبد مناف (واسمه المغيرة) بن قصي (واسمه زيد) بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر (واسمه قيس) وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة (واسمه عامر) بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو أخو علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولد جعفر بن أبي طالب في مكة المكرمة عام 34 قبل الهجرة، وكان من أوائل الذين دخلوا الإسلام حيث أسلم بعد دخول 25 رجلاً إلى الإسلام، وقيل بعد دخول 31 رجلاً، وذلك قبل أن يدخل الرسول دار الأرقم ليقوم بدعوة الإسلام فيه

هجرة جعفر الطيار إلى الحبشة

هاجر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مع زوجته أسماء بنت عميس إلى أرض الحبشة، عندما أذن النّبي عليه الصّلاة والسّلام لهم بذلك حيث كان فيها ملكاً اسمه النّجاشي، وكان ملكاً عادلاً لا يظلم عنده أحد، وفي أرض الحبشة تزعّم جعفر رضي الله عنه لقرابته من النّبي وسبقه في الإسلام وفد المسلمين الذين التقوا بالنّجاشي وشرحوا له مبادىء الدّين الإسلامي.

كان الصحابة بعد دخولهم الإسلام قد تعرضوا لكثير من البلاء، وبسبب خوف الرسول عليهم من هذا البلاء ومن الفتنة  قال لهم “لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه” فهاجر الصحابة إلى الحبشة وكان منهم جعفر  بن أبي طالب رضي الله عنه وزوجته أسماء بنت عميس .

وعندما علم سادة قريش بهجرة الصحابة أرسلوا إلى ملك الحبشة وقالوا لهم أنهم تركوا دينهم واتبعوا دين جديد وقد سأل النجاشي ملك الحبشة الصحابة وقال لهم «ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ أو قال: «ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ولا نصرانية» فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:
” أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه وآمنَّا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشركْ به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك” .
فقال له النجاشي: «هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟»، فقال له جعفر بن أبي طالب: «نعم»، فقال له النجاشي: «فاقرأه علي»، فقرأ عليه صدراً من سورة مريم:” كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا *، إلى الآيات: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا* فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ” .

بكى النجاشي عند سماعه هذا الكلام حتى إبتلت لحيته وقال

«إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون»

وقد جادل ملك الحبشة الصحابة في أمر سيدنا عيسى عليه السلام قائلاً: «فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟»، قال: «نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد»، فرفع عوداً من الأرض ثم قال: «يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان، والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنه الذي نجد في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه»، وأمر بهدية الآخرين فردت إليهما.

لماذا سمي جعفر الطيار بهذا الاسم

شارك جعفر بن أبي الطالب في غزوة مؤتة، والتي كانت في العام الثامن من الهجرة، كانت غزوة مؤتة بين المسلمين بقيادة زيد بن حارثة رضي الله عنه وبين الروم، وكان قد أمرهم الرسول فقال لهم  «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس».

أشتد القتال بين المسلمين والروم، وقُتل زيد بن حارثة، وتولى جعفر بن أبي طالب قيادة الجيش وقاتل، ومسك الراية بيمينه قطع الكفار يمينه، فأمسكها بشماله فقطع الكفار شماله،فمسك الراية بعضديه،حتى قُتل وأستشهد في غزوة مؤتة، وعندما علم الرسول بذلك قال ”  أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة ” لذلك لقب جعفر بن أبي طالب بجعفر الطيار رضي الله عنه وأرضاه .

شعر حسان بن ثابت في بكاء جعفر

ولقد بكيت وعز مهلك جعفر                          حِب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت                        لي من للجلاد لدى العُقاب وظلها
بالبيض حين تُسل من أغمادها                      ضرباً وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر                         خير البرية كلها وأجلها
رزءاً وأكرمها جميعاً محتداً                            وأعزها متظلماً وأزلها
للحق حين ينوب غير تنحل                              كذباً، وأنداها يداً، وأقلها
فحشاً، وأكثرها إذا ما يجتدى                          فضلاً، وأبذلها ندى، وأبلها
بالعرف غير محمد لا مثله                              حي من إحياء البرية كلها