التخطي إلى المحتوى

العنف ضد المرأة

لا يمكن الحديث عن -العنف ضد المرأة- دون الحديث عن “العنف ” ماهيته و صوره وعن المرأة كخلق بشري له حقوقه وحصانته و قدره و قيمته فالأمر يتطلب إزالة الغمام و نورا يكشف الظلام فلطالما تلبست بعنف المرأة الأقاويل و تستر ورائها “متاجرون”,” مرتزقة” و “نخاسون” في صورة محررين و كثيرا ما أفقدها قيمتها “ظلاميون” ,” متحجرون” و”كذبة” بدعوي الدين , و في حقيقة الأمر الحرية و الدين من هؤلاء و هؤلاء براء .

العنف

بعيدا عن تعريفات أهل  الإجتماع و علم النفس , فإن المعني الشامل للعنف نراه في سلب “الإرادة” فكل محاولة للإكراه” عنف “, كل تصرف ضد الرغبة البشرية “عنف “,كل إجبار ولو على الصواب “عنف” , كل تصرف على غير قناعة “عنف” , كل إنتهاك لحرمة النفس , الروح , الجسد و القلب “عنف” يقول علي عزت بيجوفيتش “إن التلاعب بالبشر ولو في مصلحتهم عمل غير إنساني ” .
ومن هنا سيكون معني “العنف” ببساطة هو كل تعرض لقدر الإنسان الذي وضعه الله فيه و المقصود الإنسان بشموليته بعيدا عن جنس أو عرق أو لون او حتي عقيدة “ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ” الإسراء 70″ , فكل تعرض بمثل هذه التصرفات يعد أمرا مرفوضا من كل الشرائع السماوية بل و الأديان الوضعية و الأكثر من ذلك فإن العنف هو إنحطاطا لبشرية فاعله لذا فإنه أمرا ينافي الإنسانية جمعاء لا مبرر له و لاحجة تسمح به حتى مع الحيوان (إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ)- رواه مسلم- .
و يختلف في هنا المقام عند الحديث عن التكاليف الإلهية و الأوامر الربانية فلا يجوز التعلل برفض الإكراه أو الإلزام في مسائل فرضها الشرع و لا خلاف فيها من قبل من له الحق في الإلزام فيها كالأب في إجبار ولده على الصلاة حد ضربه عليها -إذا بلغ عشر- وهذا هو اللبس الأول في مسألة “العنف ضد المرأة” هذا هو الفخ الذى سقط فيه دعاة “التحرر” عمدا منهم أو خطأ فتعاملوا مع التكاليف الإلهية بنفس معايير الأوامر البشرية فحدث الخلل و الصدام “المفتعل”بين الدين و الحرية خاصة في مسألة “حقوق المرأة” عموما “و العنف ضد المرأة” على وجه الخصوص .

المرأة نصف البشر

وهذا الخلط بين الأوراق لا يستقيم أبدا في دين كالإسلام فعلاقات الإسلام واضحة و محددة في جميع القضايا و الملفات التى تخص أفراده , فقيمة المرأة واضحة و محددة في الإسلام بل بلغت من القيمة ما بلغت
ها هو “آدم” دخل الجنة .. نام فيها .. أستيقظ فوجد بجواره و قد خرج من ضلعه الأيسر خلقا ما جاء إلا ليكمل في الجنة نقصها وما كانت الجنة لتكون بدونه , رآها “حواء” بها اكتمل أنسه و صار مسكنه في هذه اللحظة “جنة” , كم مرة يوصي الرسول بالمرأة “الأم”قال قال(أمك، قال: ثم من؟ قال(أمك، قال: ثم من؟ قال(أمك ) “متفق عليه ” وكم مرة يوصي بالمرأة “الزوجة”

(إتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ) –أخرجه مسلم- وكم مرة يوصي بالمرأة بعمومية دورها في المجتمع “رفقا بالقوارير” (رواه البخارى) , فحقوق المرأة محفوظة و التأكيد عليها كان في أكثر من موقف و محل , ولكن قد يستغل هذا البعض بتحجيم دورها بدعوى حفظها و سترها و العمل بوصية النبي فيها , ونسوا أن الحفاظ على الشئ يكون بإعطائه ما له و توقير ذاته و تكريمه لا بالتمعن في التضييق عليه بما يعد “عنفا” و”قهرا” , و التعسف في استخدام الحقوق الشرعية من قوامة و ولاية مما يخلق “عنفا” , مرتديا عباءة الدين و الدين منه براء .

إن العنف بكل صوره و أشكاله الجسدى و اللفظي و الفكري لأمر مقيت لا سيما و إن كان موجها ضد جنس بعينه و لا مبرر له سوي هذا الفصل “العنصرى” خاصة وإن هذا العنصر له إسهاماته في المجتمع وأبدا لا يمكن الإستغناء عنه بل التفكير في هذا من قبل الغفلة و العبث .

العنف ضد المرأة سلوك لا يضر بالمرأة فحسب بل هو في المقام الأول يضر المجتمع بالكامل

فمن تتعرض لصورة من صور العنف كيف تؤدي دورا فعالا في المجتمع ؟ كيف تنشئ جيلا سويا و قد تعرضت هي نفسها لما يؤثر في نفسيتها و روحها ؟ , من يري في “العنف ضد المرأة” حلا لإثبات رجولته هو في الحقيقة يفقد رجولته بل و يفقد معها إنسانيته و بشريته , فهو بذلك خسر كل معاني الفطرة و عارض كل معاني الدين .
لا يمكن أن ترى في المرأة فقط ” إعوجاجا “يستحق العنف لإصلاحه بل هو عين تفردها وهو ما يتطلب من المجتمع احتواء لا “عنفا” , وكل محاولة لتحرير المرأة بما يتغافل عن أحكام الشرع  متخذة من “العنف ضد المرأة ” مدخلا لذلك , وكل محاولة “لقمع” المرأة متخذة الدين ستارا لهذا “العنف” كل تلك المحاولات ستتحطم أمام أمواج الواقع و جبل “الإسلام” المستقيم .

أشكال العنف ضد المرأة:

العنف الجسدي:-

بلا منافس يعد “العنف الجسدي” ضد المرأة هو الأبشع و الأكثر ضررا لها فهو يؤثر نفسيا و قلبيا و روحيا بقدر أكبر من ذلك التأثير الجسدى الذي يتركه , وهو لا يدع أي مجال للنقاش و لا يترك في فاعله أي مساحة من البشرية يمكن التعويل عليها إلا إذا ادرك عظم ما قام به .
و يجب هنا التنويه على سماح الإسلام “بإصلاح” المرأة الناشز بالتعرض لها جسديا , فهذه الألية هدفها بداية “الإصلاح” لا العقاب وهنا فرق شاسع بين الأمرين , فمن يصلح أبدا لن يؤذى , أما من يعاقب فسيكون هدفه أصلا الإيذاء , ثانيا هذا التطور في عملية الإصلاح وضعت له عدة ضوابط صارمة و واضحة , فاستخدام “الضرب” يكون مسبوقا أولا بالنصح بالمعروف و الإرشاد “وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ” النساء 34″ ثم إذا أصرت فيكون “وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ”   وإذا استمر حال العناد و النشوز منها و ترك فرائض الله أو عدم الطاعة فيما للزوج فيه حق الطاعة فهى بذلك تكون أصلا قد أخلت بواجباتها و هدمت كيان أسرتها و في هذه الحالة و فى سبيل الحفاظ على هذا الكيان “لأن لا بديل حينها سوى الأنفصال” يستخدم الضرب” و يكون بلا إحداث أذى أو جرح أو تنكيل نفسي لها فكما تقدم الغرض منه الإصلاح لا العقاب و رغم ذلك فقد سمح بهذه الألية بصورة تكاد تكون كراهة لا إباحة على العموم و كأنما الواقع هو الذى فرض السماح بها “لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم يجامعها أخر اليوم ” رواه البخارى” وفى آخر مرفوع و ضعفه الألباني و لكن نذكره لقيمته و معناه ” ولا يضرب خياركم ” أن الخيار من الرجال لا يضرب زوجته , كل هذه التدابير جاءت من أجل الا يتعرض للمرأة “عنف” تحت مسمي الإصلاح , فلا يكون الخيار الأول و لا يكون مبرحا و أن الزوج “الأفضل” لا يستخدمه و يبحث عن وسيلة أخرى لإصلاح أهله رغم إباحة الشرع له.

 العنف النفسي:

ومن أشكال “العنف ضد المرأة ” “العنف النفسي ” , الذى قد يمارسه المجتمع ضد المرأة و ذلك من خلال أفكار تنتشر في المجتمع و تصبح عائقا في حياة المرأة مسببة أزمات نفسية حادة قد لا تظهر في صورة مرضية أكثر منها تظهر في علاقتها بمن حولها و في قراراتها التى تتخذها و تكون متأثرة فيها بتلك الأفكار و الضغوط النفسية مثل النظرة الدونية “للمطلقة” على سبيل المثال أو رفض إقتراحات الزوجة في أسرتها و إعتبارها فقط تابع لا يحق له إبداء الرأى .
وقد يظهر “العنف ضد المرأة” في صورة لفظية تتنوع أشكالها هي الأخرى ك”سب” الزوج للزوجة أو حتي معايرة صاحب العمل لها بضعفها فقط لأنها “امرأة” .

العنف المجتمعي:

وقد تتعرض المرأة لأشكال شتي من”العنف المجتمعي” وتختلف درجات او انواع هذا العنف تبعا لمستوى تحضر وثقافة وعلم المجتمع نفسه مثلا :

ظاهرة التحرش

هذه الظاهرة موجوده في كل المجتعات لكنها تختلف باختلاف مستويات الثقافة والتحضر والتدين ايضا.

فهي منتشرة وبشكل سيء في المجتمعات الأقل حضارة وتدين والأكثر فقرا فهنا لا دين ولا علم ولا مال لتحصين النفس ,وقد يكون السبب في التحرش للأسف المرأة نفسها , بزيها الذي يدعوا القاصي والداني للنظر اليها وأسماعها ما لاتحب بدعوى منها انها حرة .

وفي المجتمعات الغربية التى تتشدق بالحرية نرى أيضا “العنف ضد المرأة ” وقد تستر وراء حجاب “الحرية” فمثلا رفض وضع قيود للإختلاط لمن أرادت ذلك و الإصرار على فرض نمط لباس معين في العمل و الجامعات و الأماكن العامة كل ذلك “عنفا” واضحا أهدر كل قيم “حرية الإرادة و الإختيار” , حتى استغلال “المرأة” في الدعاية الإعلانية لمعظم المنتجات بصورة “قذرة” تحط من قدرها و تتعرض لحرمة جسدها يعد “عنفا” و تدنيا من المجتمع فى نظرته للمرأة

ومن  الغريب أن ما قد يعد عنفا في مجتمع قد لا يعد كذلك في آخر , وهذا الإختلاف ناتج عن إختلاف مرجعيات المجتمعات الثقافية التى تتصرف من خلالها تلك المجتمعات فمثلا قد ترى المجتمعات الغربية لباس المرأة المسلمة الفضفاض بمثابة عنفا ضدها و تعديا علي حريتها في إختيار ما يناسبها كامرأة ,  “عنفا” يمارسه المجتمع الذكورى متسلحا فيه بالدين الرجعي الظلامي !
في حين أن الدين بأحكامه التى تتعلق بلباس المرأة يكون لا “معنفا” بل حانيا رابتا على الأكتاف آخذا الإختلافات البيولوجية في الإعتبار و الطبيعية الواقعية للعلاقات و الفطرة البشرية بالميل للجنس الأخر
كل هذا كان في نظر الدين عند وضع أحكام اللباس لا نظرة مجردة للحرية الفارغة .

الحقوق الشرعية

ونرى “العنف ضد المرأة” احيانا ظاهرا في مسائل الحقوق الشرعية التى كفلها الشرع “الحرمان من الميراث” متحديا فى ذلك نصوص واضحة و تعاليم ثابتة متعللا ب”عنترية” ظالمة و جهل مطبق ..

ومن هنا و بعد كل ما سبق فإن النفس البشرية السوية ترفض بكل معاني الإزدراء المساس بالمرأة بأى صورة من صور العنف أو التعرض لها بما يجرحها و ينتهك حقوقها و حرماتها , و أن الإسلام كان واضحا جدا في تلك المسألة فنهي عن كل صور العنف عموما و ضد المرأة خصوصا و عندما سمح كان لظروف الواقع و تحت قيود و في إطار الإصلاح الذى تفرضه ممارسات الحياة و العلاقات الإنسانية .