التخطي إلى المحتوى

شعر المتنبي في العتاب، المتنبي أشهر شعراء العرب القدامي، والذي لا زلنا نعيش على ذكرى أشعاره، بسبب البلاغة، واللحن المعطر بلآلئ النظم، وقدرة المتنبي البالغة على الوصف الكامل للصورة، كل هذا جعل منه شاعراً مختلفاً، فهيا بنا نجعل من شعره خير متحدثٍ عنه من خلال مقالنا التالي.

شعر المتنبي في العتاب

برع المتنبي في كافة أنواع الشعر، وخاصةً في العتاب فهو من نظم البيتين الشهرين

أغاية الدين أن تحفوا شواربكم

يا أمةً ضجكت من جهلها الأمم

وقد كان عتابه دوماً في امرٍ لم ينال استحسانه، فينتقده فيما يفقه، من خلال نظم الشعر، ولعل أشهر قصائده في العتاب، تلك القصيدة التي عاتب فيه سيف الدولة، حينما أحضر المزيد من الشعراء لمدحه، فقال فيها:

واحرّ قلباهُ مِمّن قلبهُ شبمُ

ومَنْ بجسمي وَحالي عندَهُ سَقَمُ

مالي أكَتِّمُ حبّاً قد برى جسدي

وتدّعي حبَّ سيفِ الدولةِ الأممُ

إنْ كانَ يَجمُعنا حبٌّ لِغُرَّتِهِ

فليتَ أنّا بقدرِ الحُبِّ نَقتسمُ

قد زرتُهُ وسيوفُ الهندِ مُغمدةٌ

وقد نظرتُ إليهِ والسيوفُ دَمُ

فكانَ أحسنَ خلقِ اللهِ كلِّهمِ

وكان أحسنَ ما في الأحسنِ الشيمُ

فوتُ العَدوِّ الذي يممتَهُ ظفرٌ

في طيّه أسَفٌ في طيّهِ نِعمُ

قد نابَ عنكَ شديدُ الخوفِ واصطنعتْ

لك المهابةُ ما لا تصنعُ البَهَمُ

ألزمتَ نفسكَ شيئاً ليس يلزمها

أن لا يواريهِمُ أرضٌ ولا عَلِمُ

أكلما رمت جيشاً فانثنى هرباً

تصرفَتْ بكَ في آثارهِ الهِمَمُ

عليكَ هزمُهُمُ في كل مُعتركٍ

وما عليكَ بهم عارٌ إذا انهزموا

أما ترى ظفراً حلواً سوى ظفرٍ

تصافَحَتْ فيه بيضُ الهندِ واللّمَمُ

يا أعدلَ الناس إلا في معاملتي

فيكَ الخصامُ وأنتَ الخَصمُ والحكمُ

أعينُها نظراتٍ منكَ صادقةً

أن تحسبَ الشحمُ فيمن شحمُهُ وَرَمُ

وما انتفاع أخي الدنيا بناظرهِ

إذا استَوَتْ عندَهُ الأنوارُ والظلمُ

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعَتْ كلماتي مَنْ بهِ صَمَمُ

أنامُ مِلءَ جفوني عن شواردها

ويسهرُ الخلق جراها ويختصِمُوا

وجاهلٌ مدّهُ في جَهْلِهِ ضَحِكي

حتى أتتهُ يدٌ فراسةٌ وَفمُ

إذا نظرتَ نيوبَ الليثِ بَارزةً

فلا تظنّن أنّ الليثَ يَبْتسِمُ

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيفُ والرمحُ والقرطاس والقلمُ

يا من يَعزّ علينا أن نُفارِقَهمْ

وجداننا كل شيء بَعدكمْ عَدمُ

إن كانَ سرّكُم ما قالَ حاسدُنا

فما لِجُرحٍ إذا أرضاكمُ ألَمُ

وبيننا لو رعيتُم ذاكَ معرفةٌ

إن المَعارف في أهلِ النهى ذِممُ

كَمْ تطلبونَ لنا عيباً فيُعجزكُمْ

ويكرهُ الله ما تأتونَ والكَرمُ

ما أبعدَ العيبَ والنقصان عن شِرفي

أنا الثريّا وذانِ الشيبُ والهرمُ

إذا ترحّلتَ عن قومٍ وقد قَدِروا

أن لا تفارقهم فالراحلونَ همُ

شرُّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ بهِ

وشرُّ ما يَكْسِبُ الإنسانُ ما يَصمُ

ونظم في قصيدته عصف الرياح قرى سوار…

بقية قومٍ أذنوا ببوار

وأنضاء أسفار كشرب عقار

نزلنا على حكم الرياح بمسجد

علينا لها ثوبا حصى وغبار

خليلي ما هذا مناخاً لمثلنا

فشُدا عليها وارحلا بنهار

ولا تُنكرا عصف الرياح فإنها

قرى كل ضيفٍ بات عند سوار

وقال معاتباً أبو سعيد المجيمري

أبا سعيد جنب العتابا

فرُب رأي أخطأ الصوابا

فإنهم قد أكثروا الحُجابا

واستوقفوا لردنا البوابا

وإن حد الصارم القر ضابا

والذابلات السمر والعرابا

نرفع فيما بيننا الحجابا

وبعد عزل أبو عبد الله معاذ ابن اسماعيل اللاذقي له نظم تلك القصيدة

أبا عبد الإله معاذ إني

خفيٌ عنك في الهيجا مقامي

ذكرت جسيم ما طلبي وإنا

نخاطر فيه بالمهج الجسام

أمثلي تأخذ النكبات منه

ويجزع من ملاقاة الحمام

ولو برز الزمان إلي شخصاً

لخضب شعر مفرقه حُسامي

وما بلغت مشيئتها الليالي

ولا سارت وفي يدها زماني

إذا امتلأت عيون الخيل مني

فويلٌ في التيقظ والمنام

وقال معاتباً سيف الدولة

واحـر قلــــباه ممــن قلبــه شبــم **** ومن بجسمـي وحـالي عنده سقـم

مـــا لـي أكتم حبا قد برى جسدي **** وتدعي حب سيف الدولة الأمم

إن كــــان يجمعــنا حب لغرتــه **** فليت أنا بقدر الحــــب نقتســـم

قد زرته و سيوف الهند مغمـــدة **** وقد نظرت إليه و السيـوف دم

فكان أحسن خلــــق الله كلهـــم **** وكـان أحسن مافي الأحسن الشيم

فوت العــدو الذي يممـــته ظفر **** في طــيه أسف في طـــيه نعــــم

قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت **** لك المهابــــــة مالا تصنع البهم

ألزمت نفسك شيــــئا ليس يلزمها ****أن لا يواريـهم بحر و لا علم

أكلــما رمت جــيشا فانثنى هربا **** تصرفت بك في آثاره الهمــم

عليك هــــزمهم في كل معتـرك **** و ما عليــك بهم عار إذا انهزموا

أما ترى ظفرا حلوا سوى ظفر**** تصافحت فيه بيض الهندو اللمم

يا أعدل الناس إلا في معــاملتي **** فيك الخصام و أنت الخصم والحكم

أعيذها نظـــرات منك صادقـــة **** أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم

وما انتفاع اخي الدنيا بناظـــره ****إذا استـــوت عنده الأنوار و الظلم

سيعلـم الجمع ممن ضم مجلسنا **** باننــي خير من تسعى به قـــــدم

انا الذي نظر العمى إلى ادبــي **** و أسمعـت كلماتي من به صمــم

انام ملء جفوني عن شواردها **** ويسهر الخلق جراها و يختصم

و جـــاهل مده في جهله ضحكي **** حتى اتتــــه يــد فراســة و فم

إذا رايـــت نيوب الليــث بارزة **** فلا تظنـــن ان الليــث يبتســم

و مهجـة مهجتي من هم صاحبها **** أدركتـــه بجواد ظهره حـــرم

رجلاه في الركض رجل و اليدان يد **** وفعلـــه ماتريد الكف والقدم

ومرهف سرت بين الجحفليـــن به **** حتى ضربت و موج الموت يلتطم

الخيل والليل والبيــداء تعرفنــــي **** والسيف والرمح والقرطاس و القلم

صحبـت في الفلوات الوحش منفردا ****حتى تعجـــب مني القور و الأكــم

يــــا من يعز عليـــنا ان نفارقهـــم **** وجداننـا كل شيء بعدكم عــدم

مــا كان أخلقــنا منكم بتكـــرمة **** لـو ان أمــركم من أمرنـا أمــم

إن كــان سركـم ما قال حاسدنا **** فما لجـــرح إذا أرضاكـــم ألــم

و بينــنا لو رعيتم ذاك معرفــة **** غن المعـارف في اهل النهـى ذمم

كم تطلبـــون لنا عيبـا فيعجزكم **** و يكره الله ما تأتون والكــرم

ما أبعد العيب و النقصان عن شرفي **** أنا الثـــريا و ذان الشيب و الهرم

ليـت الغمام الذي عندي صواعقه **** يزيلهـن إلى من عنـده الديــم

أرى النوى تقتضينني كل مرحلة **** لا تستقـل بها الوخادة الرسـم

لئن تركـن ضميرا عن ميامننا **** ليحدثن لمـن ودعتهــم نـدم

إذا ترحلت عن قـوم و قد قـدروا **** أن لا تفارقهم فالـراحلون هــم

شــر البلاد مكان لا صــديق بــه **** و شر ما يكسب الإنسان ما يصم

و شـر ما قنصته راحتي قنص **** شبه البزاة سواء فيه و الرخم

بأي لفظ تقـول الشعــر زعنفة **** تجـوز عندك لا عــرب ولا عجم

هذا عـتابـك إلا أنـه مقـت **** قـد ضمـن الدر إلا أنه كلم

للمزيد يمكنك زيارة موقع قلمي